كلمة المدير التنفيذي

م. منذر عيسى شبلاق

منذ انطلاق فكرة إنشاء مصلحة مياه بلديات الساحل عام 1995، خلال اجتماع نخبة من الخبراء والأكاديميين الفلسطينيين في مجال المياه في جامعة بيرزيت، ارتكزت هذه الرؤية على بناء مؤسسة وطنية مهنية قادرة على إدارة وتطوير خدمات المياه والصرف الصحي في قطاع غزة، وتوحيد الجهود والخبرات والموارد ضمن إطار مؤسسي يعزز كفاءة التشغيل واستدامة الخدمات.

وشكّل عام 2000 محطة مفصلية في مسيرة المصلحة، مع اعتماد مذكرة التفاهم التي وقعها رؤساء بلديات قطاع غزة، لتنطلق في أداء مسؤولياتها وتطوير قدراتها المؤسسية والفنية، وتنفيذ مشاريع لتطوير وتنويع مصادر المياه وتطوير والتوسع في أنظمة نقل وتوزيع المياه وأنظمة الصرف الصحي ومحطات التحلية والضخ والمعالجة، بدعم من سلطة المياه الفلسطينية ومجالس إدارة مصلحة المياه المتعاقبة ، وبالتعاون مع البلديات والشركاء والمؤسسات المانحة مما مكن مصلحة المياه بالوصول الى مستوى متقدم في خدمات المياه والصرف الصحي

غير أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت في أكتوبر 2023، شكّلت نقطة تحول قاسية في تاريخ القطاع ومسيرة المصلحة، إذ تسببت في دمار و اسع طال البنية التحتية ومرافق المياه والصرف الصحي، وألحقت أضراراً جسيمة بجميع مفاصل خدمات المياه والصرف الصحي من الآبار ومحطات التحلية وشبكات التوزيع ومحطات الضخ ومحطات معالجة مياه  الصرف الصحي ، إلى جانب تضرر المعدات والآليات ومرافق التشغيل بقيمة تقديرية مباشرة لأكثر من 800 مليون دولار حتى نهاية العام 2025، هذا بالاضافة الى تفاقم صعوبات الوصول إلى المواقع المتضررة وتوفير مستلزمات الصيانة والتشغيل.

ولم تقتصر تداعيات الحرب على البنية التحتية، بل امتدت إلى طواقم مصلحة مياه بلديات الساحل والبلديات، التي تعرضت للاستهداف المباشر أثناء أداء مهامها، وفقد القطاع العديد من الزملاء من العاملين في مصلحة المياه والبلديات أثناء تأدية واجبهم في خدمة أهلنا في مختلف مناطق قطاع غزة. ونستذكر هؤلاء الزملاء بكل الوفاء والتقدير، تقديراً لما قدموه من تضحيات تعكس حجم المسؤولية المهنية والإنسانية التي تحملها العاملون في قطاع المياه والصرف الصحي خلال واحدة من أصعب المراحل التي شهدها قطاع غزة.

وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، تحوّل هدفنا الأساسي من تطوير خدمات المياه والصرف الصحي وتوسيعها إلى منع انهيارها بالكامل، والحفاظ على استمراريتها وتقديمها بالحد الأدنى الممكن، رغم الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، وشح الإمكانات، ومنع ادخال قطع الغيار الكهروميكانيكية والكهربائية والمولدات والزيوت والمواسير البلاستيكية والاسمنت وغيره من المواد اللازمة للاستمرار في صيانة وتشغيل مرافق المياه والصرف الصحي بالاضافة للمخاطر التي واجهت طواقم العمل أثناء أداء مهامها.

وانطلاقاً من هذه المسؤولية، واصلت طواقم المصلحة العمل في مختلف مناطق القطاع لتشغيل الآبار ومحطات التحلية، وإصلاح خطوط المياه والصرف الصحي، وصيانة محطات الضخ، ودعم عمليات نقل المياه وتوزيعها عبر الصهاريج، وتنفيذ التدخلات اللازمة في مراكز الإيواء والمنشآت الصحية والمناطق الأكثر احتياجاً. كما استمرت أعمال شفط الحفر الامتصاصية، وتنظيف خطوط ومصافي تصريف مياه الأمطار، ومعالجة الاختناقات وتجمعات المياه العادمة، في ظل نقص حاد في الوقود والزيوت والمعدات وقطع الغيار والمواد التشغيلية.

وقد تطلبت هذه الجهود عملاً استثنائياً وتنسيقاً متواصلاً مع البلديات والشركاء المحليين والدوليين، لتوجيه الإمكانات المحدودة نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً، والحد من المخاطر الصحية والبيئية التي تهدد السكان والنازحين. وأثبتت هذه المرحلة أهمية الكوادر البشرية ودورها في ضمان استمرار المؤسسات في تأدية دورها. حيث واصل العاملون في المصلحة والبلديات أداء واجبهم رغم المخاطر والصعوبات، وأسهم التزامهم وإصرارهم في الحفاظ على الحد الأدنى الممكن من الخدمات.

وبهذه المناسبة، أتوجه بخالص العرفان والتقدير إلى جميع العاملين في المصلحة، من المهندسين والإداريين والفنيين والعمال وطواقم التشغيل والصيانة ، نظرا لجهودهم وتضحياتهم في خدمة أهلنا في مختلف مناطق قطاع غزة.

كما كان للشراكات الوطنية والدولية دور أساسي في دعم استمرار خدمات المياه والصرف الصحي خلال الحرب. وعليه نتوجه بالشكر إلى سلطة المياه الفلسطينية والبلديات، وإلى المؤسسات الدولية والإنسانية والجهات المانحة، وفي مقدمتها اليونيسيف واللجنة الدولية للصليب الأحمر،والهلال الأحمر الاماراتي ممثلة بمؤسسسة الفارس الشهم ، والأونروا، وأوكسفام والاتحاد الأوروبي، ومختلف المنظمات الإنسانية ومؤسسات التنمية والتعاون الدولية، وجميع الشركاء الذين أسهموا في دعم مشاريع الإصلاح والصيانة، وتوفير المعدات والوقود، وإعادة تأهيل المرافق المتضررة.

ومع استمرارالاحتياجات الإنسانية واتساع حجم الأضرار، تبرز ضرورة الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار. فإعادة بناء قطاع المياه والصرف الصحي تتطلب استثمارات واسعة لإعادة تأهيل الآبار والشبكات ومحطات التحلية والضخ والمعالجة، وتنويع مصادر المياه، والحد من الفاقد، وتحسين كفاءة التشغيل، وتطوير أنظمة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، بما يعزز قدرة المنظومة على الصمود والاستدامة.

إن المرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجهود الوطنية والدولية، وتعزيز الشراكات، وتوفير الموارد اللازمة لاستعادة الخدمات وتطويرها، وفق أولويات واضحة تستند إلى الاحتياجات الفعلية للسكان. كما تتطلب الاستثمار في الكوادر البشرية، وتطوير أنظمة الإدارة والتشغيل، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، بما يضمن بناء منظومة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.

ستواصل المصلحة العمل مع سلطة المياه الفلسطينية والبلديات وجميع شركائها من أجل استعادة ما دمرته الحرب، وتطوير منظومة المياه والصرف الصحي، وتخفيف معاناة السكان والنازحين، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر أماناً واستدامة لقطاع غزة.

إن مسؤوليتنا لا تقتصر على الحفاظ على الخدمات المتاحة اليوم، بل تمتد إلى إعادة بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود، تضمن حق الإنسان في الحصول على خدمات المياه والصرف الصحي، وتحمي الصحة العامة والبيئة، وتلبي احتياجات الأجيال القادمة. وهذا هو التزامنا تجاه مجتمعنا، وتجاه العاملين الذين بذلوا أرواحهم وجهودهم من أجل استمرار الخدمة، وتجاه كل من ساهم في بناء هذه المؤسسة ودعم مسيرتها.

المهندس منذر عيسى شبلاق

المدير التنفيذي